بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾
الحمد لله الذي جعل في كلِّ شيءٍ آيةً، وفي كلِّ آيةٍ بابًا، وفي كلِّ بابٍ علمًا، ثم دعا العقول إلى النظر، والأيدي إلى العمل.
أما بعد…
فهذه صحائفُ رجلٍ استوقفه العالمُ طويلًا.
ما رفعتُ حجرًا إلا خطر ببالي ما الذي يشدُّ أجزاءه، ولا نظرتُ إلى آلةٍ إلا هاج بي الشوق إلى معرفة كيف ابتدأت، وكيف دارت، وكيف انتهت إلى ما أراه اليوم. وربَّ مسألةٍ صغيرةٍ صحبتني أيامًا وليالي، فما زال الفكر يقلبها حتى انفرجت، فإذا لذَّةُ الفهم تُنسي طول العناء.
وقد رأيتُ الناس يمرون بالأشياء مرَّ السحاب؛ يبصرونها ولا يتأملونها، ويستعملونها ولا يسألون عنها. أما نفسي فأبت إلا أن تقف عند كل باب، وتطرق كل قفل، وتُكثر السؤال؛ فإن السؤال أول مفاتيح الحكمة.
وأحسب أن أعمارًا كاملةً لا تكفي للإحاطة بشيءٍ من هذا الكون؛ ففي القطرة بحر، وفي الذرة عالم، وفي كل صناعةٍ تاريخٌ طويلٌ من العقول التي سهرت، والأيدي التي جرَّبت، والقلوب التي لم تيأس.
ولذلك صارت هذه المدونة رفيقة رحلتي.
أجمع فيها ما أتعلمه، وأدوّن ما أقع عليه من فكرة، وأصف ما أخطأت فيه قبل ما أصبت؛ فإن التجربة إذا كُتبت بقيت، وإذا بقيت انتفع بها من يأتي بعد صاحبها.
وفيها حديثٌ عن:
-
علوم الحاسوب، وما تنسجه العقول من خوارزميات وآلات.
-
الرياضيات، ذلك اللسان الذي تنتظم به مقادير العالم.
-
الفيزياء والكيمياء، حيث تتكشف سنن الخلق جزءًا بعد جزء.
-
الهندسة والصناعة، يوم تخرج الفكرة من الورق فتستحيل آلةً تُرى وتُلمس.
-
البرمجة، والأمن، والشبكات، وكل علمٍ يُعين على البناء والإتقان.
-
الكتب، والتجارب، والرحلات الطويلة التي يقطعها المرء بين الجهل والمعرفة.
ولستُ أرى العلوم جزرًا متباعدة؛ فكلها أنهارٌ تصب في بحرٍ واحد، ومن عرف كيف يقرأ قانونًا في الطبيعة = هان عليه أن يفهم آلة، ومن فهم آلةً اشتاق إلى التي بعدها، حتى يغدو الكون كلُّه كتابًا مفتوحًا.
وما أعجب أمر العلم!
يزيد صاحبه تواضعًا كلما ازداد منه نصيبًا؛ لأن كل بابٍ يُفتح يكشف عن أبوابٍ لم تكن تخطر على البال، وكل جوابٍ صادقٍ يلد سؤالات أوسع منه.
فإن رأيتني أطيل الوقوف عند مسألةٍ صغيرة، أو أفرح بحلِّ عقدةٍ خفيَّة، فلا تعجب! فربَّ شرارةٍ أوقدت حضارة، وربَّ فكرةٍ وُلدت في هامش كتابٍ غيَّرت وجه التاريخ.
فهلمَّ نصحب الكتب كما تُصحب الرفاق، ونخالط المختبرات كما تُخالط المجالس، وننظر إلى العالم بعين الطفل الذي يرى الأشياء أول مرة؛ فإن الدهشة رأس كل علم، والتجربة خير معلم، والصبر مركب كل طالب.
مرحبًا بك…
فلعلنا نخرج من هذه الرحلة بعقلٍ أوسع، ويدٍ أمهر، وقلبٍ لا يملُّ السؤال.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.